دكتور عبد العزيز الدوري

26

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

لقد سقت هذه الأمثلة لأشير إلى بعض آثار التشويه . ولن ألوم المحدثين إلا على ما يظهر في بحوثهم من حسن نية في غير محلها ، وقبول ما يقرأون في الكتب دون تمحيص وبحث وبذلك ثبتوا ارتباك الماضين ، وأظهروا المتناقض بمظهر الأكيد فزادوا الطين بلة . وإني أشير عابرا إلى أن أثر الشعوبية شمل الأدب والحديث والتاريخ . وليس لدينا متسع يساعد على مناقشة هذا الأثر مناقشة كافية . ويكفي أن أذكر مثلا للتهجم لا للتشويه ، في الأدب . كتب سهل بن هارون رسالة يمجد فيها البخل لأنّ العرب يحتقرونه ، ويتمجدون بالكرم ويعيبون على الأعاجم البخل . كتب سهل هذه الرسالة ليحط من الكرم وأصحابه وليظهره بأحط مظهر . فكتب الجاحظ كتابه اللاذع البخلاء بأسلوب قصصي بارع النكتة شديد في التهكم ، فرد سهام سهل إلى نحره بتهكم عنيف وسخرية بالغة ومرح مضحك . هل ينسى القارئ مثلا أنّ الديكة في كل البلدان تقدم الحبّ للدجاج أولا ثم تلتقط ما تشاء منه بعدها ، إلا في مرو ( قلب خراسان ) حيث تلتقط الحبّ قبل الدجاج ! . - 3 - وهناك مشكلة أخرى وهي أنّ المؤرخين العرب يهملون أثر الزمن وما يصحبه من تطور ، وينسبون الكثير من التطورات التي احتاجت إلى وقت طويل إلى أشخاص سابقين . ولدينا أمثلة كثيرة . فالنظام المالي ، ولا سيما تنظيم الجزية والخراج ، ينسب كله إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب . فيذكرون أنّه عدّ الجزية رمز الخضوع فيدفعها الذمي ، واعتبر الخراج إيجارا للأرض لا ضريبة ، لذا وجب على المسلم والذمي دفعه . ولكن البحث يدل بوضوح على أنّ هذا التمييز الأخير لم يتضح إلا في زمن عمر بن عبد العزيز في حين أنّ الضريبتين كانتا رمز خضوع ابتداء ، وأعفى من أسلم من الجزية بينما يبقى الخراج ، كما أنّ النظام المالي المنسوب إلى عمر بن الخطاب لم يكن كله من وضعه ، بل تكامل بعده تدريجيا خلال فترة تزيد على قرن . ومن أمثلة ذلك نسبة الحركة الإسماعيلية والقرمطية إلى عبد اللّه بن ميمون القداح ، مع أنّ هذا جاء في الفترة الأولى ، وأنّ الحركة استغرقت مدّة طويلة واشتغل فيها كثير من المنظمين والمفكرين حتى انتظمت واتسعت وقامت بدورها الخطير في التاريخ والفكر الإسلامي . وهم ينسبون قيام الدولة العباسية إلى جهود أبي مسلم الخراساني وإلى عبقريته ، في حين أنّ الدعوة العباسية كانت تبث منذ زمن يزيد على ربع قرن قبل مجيء أبي مسلم ، وقد وضعت أسسها وأساليبها ومبادئها قبله ، ولم يرسل أبو مسلم إلا بعد أن ثبتت وبلغت غاية خطورتها ، وأصبحت الحاجة ظاهرة للخروج بالدعوة من طورها